محمد ثناء الله المظهري
223
التفسير المظهرى
ولكنها كرامة وخيرة لهم ولو كان أيوب ليس من اللّه بهذه المنزلة الا انه أخ آخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يحل بالحليم ان يعتزل أخاه عند البلاء ولا يعيّره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين ولكنه يرحمه ويبكى معه ويستغفر له يحزن بحزنه ويدله على مراشد امره وليس بحكيم ورشيد من جهل هذا فاللّه أيها الكهول وقد كان في عظمة اللّه وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم ألم تعلموا ان للّه عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم وانهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء « 1 » الألباء العالمون باللّه ولكنهم إذا ذكروا عظمة اللّه انقطعت ألسنتهم واقشعرت جلودهم وانكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاما للّه وإجلالا فإذا استقاموا من ذلك استبقوا إلى اللّه بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين وانهم الأبرار البراء ومع المقصرين المفرطين وانهم لاكياس أقوياء - فقال أيوب اللّه سبحانه يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير فمتى تنبت بالقلب يظهرها اللّه على اللسان وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة وإذا جعل اللّه العبد حكيما في الصبا لم يسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من اللّه نور الكرامة ثم اعرض عنهم أيوب واقبل على ربه مستغيثا به متضرعا اليه فقال ربّ لأىّ شيء خلقتني ليتني كرهتنى لم تخلقني يا ليتني قد عرفت الذنب الّذي إذ نبت والعمل الّذي عملت فصرفت وجهك الكريم عنى لو كنت إذا أذنبت ذنبا أمتني فالحقتنى بآبائي فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب دارا وللمسكين قرار أو لليتيم وليا وللأرملة قيما الهى انا عبدك ان أحسنت فالمن لك وان أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء عرضا وللفتنة نصبا وقد وقع على بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله فكيف يحمل ضعفي وان قضائك هو الّذي أذلني وان سلطانك هو الّذي أسقمني وأنحل جسمي ولو أن
--> ( 1 ) النبلاء اى الأذكياء والنجباء 12 .